جامع النبي يونس في الموصل.. ذاكرة مدينة لا تموت
في الجانب الأيسر من مدينة الموصل، وعلى أرض ارتبطت بتاريخ نينوى العريق، يقف جامع النبي يونس عليه السلام واحدًا من أبرز المعالم الدينية والتاريخية التي ارتبط اسمها بالمدينة وأهلها. ولم يكن الجامع مجرد مكان للعبادة، بل كان جزءًا من ذاكرة الموصل وملامحها التي توارثتها الأجيال.
يرتبط الموقع بالنبي يونس عليه السلام، الذي ورد ذكره في القرآن الكريم، وبقصة أهل نينوى وتوبتهم. ويقع الجامع في منطقة نينوى التاريخية، في موضع ارتبط بتقاليد وروايات دينية وتاريخية قديمة، الأمر الذي منحه مكانة خاصة في وجدان أهل الموصل. وتشير المصادر إلى أن الموقع يقوم على تل أثري ذي طبقات تاريخية تعود إلى عصور قديمة، مما يجمع فيه بين القيمة الدينية والأهمية الحضارية.
وعلى مر السنين، أصبح جامع النبي يونس مقصدًا للزائرين والمصلين، وشاهدًا على تاريخ المدينة وتغيراتها. وكان حضوره في الموصل يتجاوز حدود البناء؛ إذ مثّل رمزًا من رموز الهوية الموصلية، وارتبط بذكريات الأهالي وحكاياتهم عن المدينة.
لكن في عام 2014 تعرّض الجامع للتفجير والتدمير خلال سيطرة تنظيم داعش على الموصل، ضمن موجة واسعة من الاعتداءات التي طالت عددًا من المعالم الدينية والتاريخية في المدينة. وبذلك فقدت الموصل واحدًا من أبرز معالمها، وبقي موقع الجامع شاهدًا على مرحلة مؤلمة من تاريخها.
ومع بداية جهود إعادة إعمار الموصل، بدأت أعمال إعادة تأهيل جامع النبي يونس، مع اهتمام بالحفاظ على طابعه التاريخي والمعماري. وشاركت جهات وأفراد من أبناء نينوى في جهود إعادة البناء، حتى اكتملت أعمال الإعمار وأعيد افتتاح الجامع يوم الجمعة 3 نيسان/أبريل 2026، لتقام فيه أول صلاة جمعة بعد سنوات من الإغلاق والدمار.
ولعل أجمل ما في عودة الجامع أنه لم يعد مجرد بناء أُعيد تشييده، وإنما عودة لجزء من ذاكرة الموصل. فحين تعود مآذن الجامع وأصوات الصلاة إلى مكان كان يومًا شاهدًا على الخراب، فإن الأمر يحمل معنى أكبر من إعادة بناء الحجر؛ إنه تعبير عن قدرة المدن على النهوض واستعادة ملامحها.
جامع النبي يونس اليوم يذكّر بأن الموصل ليست مجرد مدينة قديمة، بل مدينة تحمل طبقات متراكمة من التاريخ والحضارة والقصص. وبين آثار نينوى القديمة وشوارع الموصل الحديثة، يبقى هذا الجامع شاهدًا على أن بعض الأماكن لا تسكنها الجدران فقط، بل تسكنها ذاكرة الناس أيضًا.
وهكذا، فإن جامع النبي يونس عليه السلام يمثل صفحة مهمة من تاريخ الموصل؛ صفحة مرّت بالازدهار، ثم الألم والدمار، وانتهت بعودة الحياة من جديد. وربما لهذا السبب تحديدًا تحمل عودته معنى خاصًا لأهل الموصل: فبعض الأماكن حين تعود، لا تعود وحدها، بل تعيد معها شيئًا من روح المدينة.









عاشت أيدج ؏ دقة الصور